الغزالي
52
إحياء علوم الدين
فلم يزل يبكى حتى خرقت دموعه لحم خديه ، وبدت أضراسه للناظرين . فقالت له أمه يا بني لو أذنت لي أن أتّخذ لك شيئا توارى به أضراسك عن الناظرين ؟ فأذن لها . فعمدت إلى قطعتي لبود فألصقتهما على خديه ، فكان إذا قام يصلى بكى ، فإذا استنقعت دموعه في القطعتين أتت إليه أمه فعصرتهما ، فإذا رأى دموعه تسيل على ذراعي أمه قال . اللهم هذه دموعي ، وهذه أمي ، وأنا عبدك ، وأنت أرحم الراحمين . فقال له زكريا يوما : يا بني ، إنما سألت ربي أن يهبك لي لتقر عيناي بك . فقال يحيي . يا أبت . إن جبريل عليه السلام أخبرني أن بين الجنة والنار مفازة لا يقطعها إلى كل بكاء . فقال زكريا عليه السلام . يا بني فابك وقال المسيح عليه السلام . معاشر الحواريين ، خشية الله وحب الفردوس يورثان الصبر على المشقة ، ويباعدان من الدنيا بحق أقول لكم ، إن أكل الشعير والنوم على المزابل مع الكلاب في طلب الفردوس قليل وقيل كان الخليل صلوات الله عليه وسلامه إذا ذكر خطيئته يغشى عليه ويسمع اضطراب قلبه ميلا في ميل ، فيأتيه جبريل فيقول له . ربك يقرئك السلام ويقول . هل رأيت خليلا يخاف خليله ؟ فيقول يا جبريل ، إني إذا ذكرت خطيئتي نسيت خلَّتى فهذه أحوال الأنبياء عليهم السلام ، فدونك والتأمل فيها ، فإنهم أعرف خلق الله باللَّه وصفاته صلوات الله عليهم أجمعين ، وعلى كل عباد الله المقربين ، وحسبنا الله ونعم الوكيل بيان أحوال الصحابة والتابعين والسلف والصالحين في شدة الخوف روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال لطائر . ليتني مثلك يا طائر ولم أخلق بشرا وقال أبو ذر رضي الله عنه . وددت لو أنى شجرة تعضد . وكذلك قال طلحة وقال عثمان رضي الله عنه . وددت أنى إذا مت لم أبعث . وقالت عائشة رضي الله عنها : وددت أنى كنت نسيا منسيا وروي أن عمر رضي الله عنه كان يسقط من الخوف إذا سمع آية من القرءان مغشيا عليه ، فكان يعاد أياما . وأخذ يوما تبنة من الأرض ، فقال . يا ليتني كنت هذه التبنة ،